" ما الأرض إلا وطن واحد والبشر سكانه" بهاء الله


وحدة الجنس البشري

هناك حقيقيةٌ جوهريةٌ لا تتغير على مر الأزمان والعصور وهي أنه لا يوجد سوى جنسٍ بشريٍ واحد. فنحن شعبٌ واحدٌ يسكن كوكبًا واحدًا، وأسرةٌ بشريةٌ مرتبطةٌ بمصيرٍ مشتركٍ. ويتفق العلم تمامًا مع هذه الحقيقة، فقد بيّن وأثبت كلٌّ من علم الإنسان، وعلم الأحياء، وعلم النّفس، وعلم الاجتماع، ومؤخرًا، علم الوراثة في فكّه لرموز الموروث الجيني البشريّ، أن هناك نوعًا بشريًا واحدًا فقط، وإن كان هناك تنوعٌ لاحدّ له من حيث الجوانب الحياتية الثانوية.
إن مبدأ وحدة الجنس البشري الذي نادى به حضرة بهاءالله ليس مجرد تعبيرٍ جميلٍ عن مثاليّاتٍ للتضامن، ولا هو مجرد مفهومٍ غامضٍ أو شعار، ولكنه يعكس حقيقةً أبديةً روحيةً أخلاقيةً وماديةً تبلورت خلال عملية بلوغ الجنس البشري مرحلة النضج في القرن العشرين. فبعد أن تحوّل الأفراد من عشائر إلى قبائل، ثم إلى دويلات وأمم، ثم إلى اتحادات وروابط دول، أصبح من الطبيعي أن تكون الخطوة التالية هي خلق حضارةٍ عالميةٍ متنوعةٍ، وموحدةٍ في الوقت ذاته، حضارةٌ تكون فيها جميع الشعوب والثقافات أجزاءً متكاملةً في بناءٍ واحدٍ هو الجنس البشري نفسه.
إنّ شعوب العالم اليوم أصبح أمامها طرقًا كثيرةً لتدرك إعتماد كل منها على الآخر. وكما هو الحال في هيكل الإنسان، فإن لكل عضوٍ دورٌ فعالٌ وحيويٌ لا غنى عنه والذي يكمّل عمل بقية الأعضاء، وعندما نتعايش مع بعضنا البعض بوحدةٍ ومحبةٍ تنتُج طاقةٌ جديدةٌ مفعمةٌ بالعمل الجاد من قبل جميع أفراد المجتمع، فنستمد منها الفرح وندرك بأن السعادة الحقيقية تكمن في المساهمة في تحقيق الرخاء والسعادة للجميع. ويعتقد البهائيون أن النّجاح في بناء هذه الجامعة البشرية الموحدة يتحقق من الاستلهام من تعاليم إلهية تؤكد حقيقة "وحدة الجنس البشري"، ولذلك لا يكتفي البهائيون بتطبيق تعاليم حضرة بهاء الله في حياتهم فحسب، بل يشاركون الآخرين هذه التعاليم التي جاءت لتهدي البشرية إلى تحقيق الوحدة، مصداقًا لما جاء في أحد الكتابات البهائية منذ أكثر من مائة عامٍ: "يَا أَبْناءَ الإِنْسانِ! هَلْ عَرَفْتُمْ لِمَ خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ واحِدٍ؛ لِئَلاَّ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ. وَتَفَكَّرُوا فِي كُلِّ حِينٍ فِي خَلْقِ أَنْفُسِكُم؛ إِذًا يَنْبَغِي كَما خَلَقْناكُم مِنْ شَيْءٍ واحِدٍ أَنْ تَكُونُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، بِحَيْثُ تَمْشُونَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، وَتَأْكُلُونَ مِنْ فَمٍ واحِدٍ، وَتَسْكُنُونَ فِي أَرْضٍ واحِدَةٍ؛ حَتَّى تَظْهَرَ مِنْ كَيْنُوناتِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ وَأَفْعالِكُمْ آياتُ التَّوْحِيدِ وَجَواهِرُ التَّجْرِيدِ. هذا نُصْحِي عَلَيْكُم يا مَلأَ الأَنْوارِ، فَانْتَصِحُوا مِنْهُ لِتَجِدُوا ثَمَراتِ القُدْسِ مِنْ شَجَرِ عِزٍّ مَنيعٍ."